Syrian International Conference

Home » Arabic » الدولة الأمنية وحصاد القمع المركب /مرهف ميخائيل

الدولة الأمنية وحصاد القمع المركب /مرهف ميخائيل

morhafمن الضروري العودة إلى ماشهدته الساحة الاوروبية خصوصاً ، والعالمية عموماً من جدل حول مفهوم الدولة والسلطة، فهذه الدول الاوروبية لم تبنِ مجتمعاتها من الفراغ وإنما سبق نشوءها جدل واسع مهَّد لمثل هكذا تطور وتمدن ، فنحن إذ انطلقنا إلى هذه الأجواء لمقارنة الدول التي تحكم شرقنا الكبير وخاصة الدول العربية ، وبالخاصة سورية ، و لكي يكون كلامنا مبنياَ على أسس سبق أن تعرض لها فلاسفة ومفكرون، منهم عرب وأجانب على حدِ سواء.ومن منا يستطيع الكتابة عن الدولة أو السلطة متجاهلاً ماقاله مونتسكيو أو هوبس وروسو ….الخ من الكتاب والفلاسفة الغربيين حول الدولة والقانون….؟.
ترتبط الدولة بالسلطة كونها الشكل الأكثر بديهية لها، و نقصد السلطة في شكلها السياسي، لأن السلطة يُمكنها الوجود بأكثر من شكل دون أن تتواجد جنبا الى جنب مع الدولة …لكنها في شكلها السياسي تحتاج إلى الدولة لضمان إستمراريتها كونها الغطاء القانوني لوجودها السياسي والاجتماعي المتمدن …
وممارسة السلطة السياسية (ضمن إطار الدولة بمعناها الحديث) معناه وضع نصوص القوانين، ومراقبة تطبيق هذه القوانين، واستخدام القوة لتحقيق الأمن اذا لزم الامر، وليس العنف، وعملية تنظيم المجتمع التي تحتاج الى المعرفة الواسعة للقوانين ولمفاهيم مثل الحرية والعدالة …الخ.
للدولة الحديثة وظائف أو مهام ،ومن شروط وجود السلطة هو وجود بشر “مطيعين ” للقوانين التي اختاروها هم أو صوتوا عليها (يُفترض)، والشرط الثاني هوقوة السلطة التي “تقود أو تأمر” أولئك ال”مطيعين” لها ، بتطبيق القوانين لأهداف نبيلة وتعود بالفائدة على المجتمع عامة .
ولمعرفة وتقييّم أي سلطة وفهم ماتمارسه ،علينا أن نطرح ونجيب على الأسئلة التالية:
ماهي الوسائل المستخدمة لممارسة هذه السلطة ؟
ولأية أهداف نهائية تم استخدام هذه الوسائل ؟
وتحت أي شكل تُمارس هذه السلطة مهامها ؟
ضمن أي حدود تُمارس سلطة الدولة وظائفها ؟
ولكي تتمكن السلطة من الحكم منفذة إرادة الدولة التي تُمثل الأكثرية في مجتمع مدني، عليها أن تتوزع إلى ثلاث سلطات ، لكل منها جبروته واستقلاليته …(مونتسكيو) السلطة الأولى هي سلطة التشريع ووضع القوانين ( نظرية فصل السلطات)… وللسهر على تطبيق القوانين هناك سلطة ثانية تُدعى السلطة القضائية أو العدلية. ولكي يتم تنفيذ القوانين تم تكليف سلطة ثالثة بهذه المهمة هي السلطة التنفيذية (مونتسكيو)..
من مهام ووظائف الدولة هو تأمين سلامة الافراد وممتلكاتهم وسلامة المجتمع الذي يعيشون فيه (تأمين سلامة معناه العيش بأمان وعلى كل المستويات ..).
الوظائف الأولية للدولة هي اصدار قرارات والإلزام بتنفيذها عن طريق الجيش والشرطة وجهاز العدالة إن لزم الأمر…والهدف النهائي هو تأمين “الأمان” بالمفهوم الفلسفي عن طريق تأمين النظام العام ..(ضبط النظام العام).
الوظائف الثانوية للدولة هي إدارية ، تربوية ،اقتصادية، والمساعدات الاجتماعية ….الخ
يختلف شكل الدول من اشتراكي الى ليبرالي … ومن شمولي إلى ديمقراطي (هوبس ، روسو)…
ماهي علاقة السلطة بالفرد الاجتماعي ؟
هل يجب الخضوع أم المقاومة للسلطة ؟
للسلطة الحق باستخدام القوة، ولايحق لها استخدام العنف (Renaud) ويمكننا أن نميز بين السلطات على هذا الأساس. فالعنف معناه القمع وعدم احترام القوانين والشعب الذي باسمه تحكم السلطة (عن طريق حكومة منتخبة )… والقوة هي استخدام وسائل يسمح بها القانون لتطبيق وتنفيذ هذا القانون من قبل أفراد يخالفون نصوص القوانين والتشريعات المنصوص عليها من قبل الدولة ممثلة بالسلطة التشريعية… ففي الدول الاستبدادية تلتهم السلطة الدولة وتتحول إلى دولة –سلطة أمنية، ويتم تجميع السلطات بيد شخص واحد هو الفرد الحاكم وغير المنتخب بشكل شرعي أي عبر منافسة حرة وشريفة، فتتلاشى الحدود الفاصلة بين السلطات الثلاث ويتم دمّج السلطة والدولة عبر قوة وحيدة هي العنف في ممارسة السلطة ،ويتم تحويل وظيفة الدولة من تأمين سلامة المجتمع والأفراد بمعنى تأمين العيش بسلامة وآمان وحماية الأفراد والجماعات وممتلكاتهم، إلى نهب للمجتمع عبر أشخاص السلطة وأهاليهم (اولاد المتسلطين ،أقاربهم …الخ) بحيث تصبح الدولة والسلطة مندمجتين الواحدة في الأخرى لأهداف ذاتية وفردية(تحمي السلطة اللصوص والسارقين وتتحول إلى مافيا أو مافيات) بدلا من خدمة وحماية المجتمع ككل للعيش بأمان على جميع مستويات العيش ونواحيه …
حاولنا في هذه المقدمة النظرية أن نستحضر مجموعة النظريات التي على أساسها يمكننا الحكم على الدولة السورية خاصة والعربية عموماً، وأيضاً تجب الإشارة إلى أن مجموعة من الكتاب السوريين والعرب كانوا قد تلمسوا في أكثر من مقال مواطن الضعف والخلل في هذه الدولة وفي سلطتها التي لم تقف عند حدود معينة ،بل ذهبت الى درجة استخدام العنف ضد الشعب السوري في أكثر من مناسبة، وهذا ما أفقدها شرعيتها وبالتالي ثقة البشر الذين وجدت الدولة السورية لخدمتهم، لأن الدولة توجد إذا وجد بشر وأفراد في مجتمع بشري … فالدولة هي شكل متطور لإدارة وتصريف شؤون هؤلاء الأفراد… فإذا انقلبت هذه المعادلة، كما حدث في سورية أي أن المواطن موجود لخدمة الدولة، والدولة تحولت إلى جابي، فهو ما فتئ يلم أموالاً بمناسبة وبغير مناسبة ولا أحد يدري في أي جيوب سوف تستقر هذه الأموال… وأحد وظائف الدولة هو توفير الأمن في جميع نواحي الحياة ، والحفاظ على حياة الناس وأموالهم وبيوتهم وكذلك مساعدة هؤلاء الأفراد لكي يعيشون بشلام وآمان… بينما إذا تحولت الدولة إلى دولة أمنية أي أن البشر يحسون بأنهم مراقبون وهناك من يعد عليهم أنفاسهم …هنا يفتقد الناس إلى الأمن ويصبح انعدام الأمن هو الشعور السائد …وهكذا تحولت وظيفة الدولة من عامل لتوفير الامن كما يفترض، إلى عامل فقدان الامن وبالتالي الدولة لا تقوم بوظيفتها التي وجدت من أجلها …والحقيقة في عملية التحول هذه ، تبدأ من تحول دور السلطة ،أي أن دور السلطة القضائية معطل ، ولم يتم مراقبة ما تفعله السلطة التنفيذية ….وفي بلد مثل سورية تم دمج السلطات الثلاث في سلطة وتم تبرير ذلك بمجموعة من الشعارات الفارغة المضامين والتي تم تبنيها لكي لا يكون هناك محاسبة من السلطة القضائية …فالرئيس في سورية وضع بيده جميع السلطات، ولا يوجد تمايز بين السلطات الثلاث، ويستخدم هذه السلطات دون رقيب أو حسيب وبالتالي عملياً فدور الدولة بالمعنى الأصلي معطل بل سوف نطلق على هذه الدولة شمولية والبعض فضل استبدادية لما بينهما من تمايز (ياسين الحاج صالح)…ولذلك لا توجد في سورية دولة وسلطة بل توجد سلطة التهمت الدولة وتسير المجتمع بحسب رغبات افرادها المسيطرين على القرار، ولذلك نرى أنه لا يوجد أي دور تمارسه الدولة بل كل شيء لخدمة السلطة بل لخدمة مجموعة الأفراد المسيطرين على هذه السلطة… وهذا ماأفقد السلطة في سورية شرعيتها ، وحوَّلها الى سلطة خارجة عن القوانين الدولية التي تفترض بالسلطة خضوعها الى قوانين الدولة “المحترمة” وليس الدولة “المسخ” على حد تعبير أحد أصوات السلطة السورية عماد فوزي شعيبي….
وهنا أتوقف قليلاً لأطرح السؤال التالي :”لماذا يتم تحّول السلطة والدولة لدولة- سلطة أمنية ؟”
والجواب هو ببساطة أن الدولة والسلطة التي تمثلها تضطر الى استخدام العنف والتحول الى سلطة أمنية ،لأنها في الأساس تُدافع عن مبدأ اللا شرعية في استخدام السلطة من قبل أفراد غير منتخبين في الاصل ولا يمثلون غالبية الشعب ..ويتم بالتالي مخالفة القوانين التي من المفروض أن تسهر الدولة على تطبيقها ويحق لها استخدام القوة لفرض احترامها ، ولكن عندما يُخالف القوانين أشخاص يمثلون القانون ، هنا تنكشف عورة هذه السلطة فتضطر لاستخدام العنف للاحتفاظ بالسلطة، ولأهداف خاصة (فردية وعائلية …الخ ).
وهذا لا يمكنه أن يحدث في دول يحكمها أشخاص يُمثلون القانون ويحتلون أماكنهم عن طريق شرعية الانتخابات الحرة والشريفة… فأول مخالفة للقانون هي وجود أشخاص يمثلون هذا القانون بشكل قسري وتعسفي وغير انتخابي … وإذاً الدولة الامنية أو السلطة الامنية هي في الاساس غير شرعية لأن الاجهزة الامنية تعتبر احدى وسائل الدولة او بالأحرى السلطة التنفيذية لتطبيق القانون ولمعاقبة مخالفيه …وبالتالي الدولة الامنية هي تحصيل حاصل لعدم احترام القانون وبالتالي الشعب، وهي الخوف من أن تأتي دولة غير أمنية وسلطة شرعية لمحاسبة هذه اللا شرعية ، وهنا نفهم لماذا تحولت الدولة في سورية والبلدان العربية الاخرى الى دولة أمنية وريعية .
وهناك أكثر من مفكر وكاتب سياسي (طيب تيزيني، عزمي بشارة ، ياسين الحاج صالح..أصلان عبد الكريم..الخ) تعرض لمسألة ” وجود أو غياب الدولة في بلدان مثل بلداننا ” لأن المسألة في النهاية محسومة لصالح غياب الدولة بمعناه الوظيفي كما يُفترض للدولة من دور في تأمين الآمان وضمان تطبيق القوانين …الخ من دور وظيفي …
“إنها طغيان المستوى السياسي على الاجتماعي طغياناً لا حد له قد يصل في نهايته المنطقية والعملية إلى التهام المجتمع أو جـعله في أحسن الأحـوال لاحـقة عضوية بالمستوى السياسي، وهي تعمل دون كلل وبدأب قلّ نظيره على التدمير المنهجي المنظّم لكلّ أشكال التنظيم الاجتماعية وبخاصة المستقلة منها وعلى الفرض القسريّ لـ تنظيمات بديلة لها الأمر الذي يؤدي إلى الهيمنة الشاملة للدولة على المجتمع والفرد وإقامة تنميط بنيوي أحادي يتحول المجتمع بمقتضاه إلى قطيع ليس أمامه إلا الامتثال والخضوع من جهة وإلى أفراد مذررين لاحول ولاطول لهم من جهة أخرى”.(أصلان)
وهنا أوافق أصلان على هذا الوصف للدولة الأمنية وأقول :إن استمرار اللاشرعية في الدولة والسلطة يجعل هذا السلوك اضطراري لحماية النفس من أي تمأسس أو تنظيمات تحترم نفسها من الناحية القانونية، فتدمير كل مايمت بصلة إلى الدولة بمعناها القانوني هو في نهاية المطاف الهدف النهائي من أجل تقويض وتدمير أي شكل قانوني في المجتمع يمت بصلة الى مفهوم الدولة على الطريقة الغربية ،ويستطيع أن ينادي بالقانون وينتقد لا شرعية السلطة الامنية، وهذا فعلاً ما يفسر مسيرة ثلاثين عاما من التدمير المنهجي والمنظم لشكل الدولة الاولي الذي وجد قبل أن يصل هؤلاء الحاكمون في سورية منذ أربعة وثلاثين عاما وما يجري في سورية هو مثال عما يجري في بقية البلدان العربية الأخرى .
ونصل إلى نقطة مهمة وهي : إحتكار السياسة (أي تم ابعاد بل القضاء المبرم عل كل شكل من اشكال المعارضة السياسية في المجتمع السوري) بل قتلها وهذا ماجرى فعلا منذ إمساك حافظ الاسد للسلطة في 1970، وقد استمر هذا النهج بعد وراثة ولده بشار له بعد وفاته في عام 2000. وبالرغم مما نادى به بشار من رغبته في احترام القانون، فإن ما ورثه عن والده هو لا شرعية السلطة والدولة الامنية، وبالتالي نستطيع الاستنتاج أن بشار وحتى لو كانت رغبته في التغيير حقيقية أي اعادة بناء الدولة بكل ما تعني كلمة الدولة الحديثة من معنى، فإن هذا التغيير يجب أن يبدأ بإعادة إنتاج الدولة أي بمعنى إعادة الاحترام للقانون عن طريق اعادة احترام فصل السلطات وكذلك اعادة إنتاج الشرعية عن طريق الانتخاب الحر والنزيه لمن يحتل موقع رئيس الدولة أو ممثلين للشعب في مجلس الشعب …الخ .
وهنا، في رأيي تكمن نقطة الضعف في مسيرة الدكتور بشار الاسد (أي أنه يجب أن يتخلى عن السلطة أو يقبل بالمنافسة الحرة الشريفة عبر صناديق الاقتراع لكي يستطيع أن يبدأ مسيرة جديدة حافلة باحترام القانون ويؤسس لسلطة قائمة على الحق والشرعية)، لأن هذه الخطوة تحتاج الى شجاعة غير عادية والى قناعة حقيقية في بناء دولة حديثة بكل ما تعني كلمة الدولة الحديثة (كناظم لمجتمع فيه سلطة تحترم فصل السلطات الثلاث وتحترم القانون الذي يجب أن يكون مصوتا عليه من قبل الشعب عبر تصويت عام، يسبقه نقاشات …الخ ) من معنى لاحترام القانون والشعب …الخ .

“إن موت السياسة وانتفاء الدولة كحيّز عام وتحولّها إلى حيّز خاص من خلال التهام السلطة لها يعني فيما يعنيه احتكار السياسة والحق والصواب وطغيان الخطاب الرسمي الأحادي الجانب، الرافض بشكل عنيد لكل خطاب مواز أو معارض مهما يكن اسمه ومحتواه، ولأن الأمر كذلك لا يتبقى للمجتمع إلا الانكفاء على نفسه والانعزال عن مجرى الأحداث الفعلي والتحوّل إلى حشد من الرعايا يتحرك فقط عندما تريد السلطة منه ذلك في حشود قطيعية أسطورية للتمجيد والتصفيق والثغاء بحمد ذوي الشأن متحولين بهذا الشكل إلى بوق كبير المتحدث الوحيد به وعبره هي السلطة “الرسولية” التي لا يجيئها الخطأ من أية جهة كانت؟! لٍم لا؟ أليست منزهّة وفوق كل اعتبار!.”
وهنا يصبح مفهوماً الموقف السلبي الذي يتبناه الشعب السوري من السلطة الامنية الحالية، لأن انكفاء الأفراد وانعزالهم عن مجرى الأحداث، هو نوع من عدم الاعتراف بالسلطة، وعدم الموافقة على شكلها الامني العنفي الاجرامي في حالات كثيرة… لأن السلطة “سجنتهم ” وقيدت كل حركة يقومون بها، وهي تعدُّ عليهم أنفاسهم …بل قامت طواعية بإفساد كل مايمت للأسرة عن طريق زرع عناصر مخبرة في الشارع والاسرة والمقهى والمدرسة ….الخ بحيث أصبح المجتمع، مجتمع مخابرات أي مطلوب من كل فرد مراقبة الافراد الاخرين حتى لو تعلق الامر بافراد الاسرة الواحدة… وقد امتد ذلك الى الخارج، حيث عرفت البعثات التعليمية في الخارج هذا النوع من “أمننة” المجتمع بزرع عناصر أمن بين الطلبة والقيام بالتجسس على حركاتهم واحصاء أنفاسهم …ويقدر عدد الذين لم يعودوا الى سورية نتيجة هذه الأمننة للمجتمع بآلاف المنفيين ( البعض ذكر 45 الف منفي سوري لأسباب سياسية وتعطي اللجنة العربية لحقوق الإنسان في 2002 رقم 27 ألف).
وفي نفس السياق يمكننا تفسير وجود أعداد كبيرة من السجناء السياسيين حتى الآن في سجون النظام السوري وغيره من الانظمة العربية ، ،والسبب الاساسي في اتباع سياسة الأمننة في دول عربية عديدة هو عدم شرعية الدولة والسلطة ، أي بكلمة واحدة نقول: إن إغتصاب السلطة واحتكار الدولة من قبل فئات انتهازية ووصولية وذوي سلوكات إجرامية في الاساس كان وراء هذه الأمننة للدول في أغلب البلدان العربية .
فالمحرك الاساسي للدولة الأمنية هو الخوف من مجيء اناس يحترمون القانون، فيعاقبون هؤلاء المدمرين للمجتمع، لأنهم ارتكبوا جرائم لا تعد ولا تحصى وما نعرف اليوم إلا القليل منها… وهذه الفئة من القابضين على القرار والمتحكمين بالسلطة الأمنية، مستعدين للتعامل مع الشيطان في سبيل إنقاذ أنفسهم …وهم يشبهون فاراً من القانون ارتكب جرائم كثيرة ،فهو مستعد لفعل أي شيء في سبيل الهروب الى الامام ،لكي لايقع بين أيدي رجال الامن وتطبيق القانون …فهم حرقوا جميع “سفنهم ” ولكنهم لايشبهون طارق بن زياد ورجاله المستعدون للموت في سبيل نشر راية الاسلام …بل هم ملفوظون من الشعب مكروهون ينتظرون عقاب القانون مهما طال الزمن …فهم لم يقتلوا فردا بل قتلوا شعباً، وهم لم يدمروا بيتاً بل مدنا بكاملها …فهم يعيشون خائفين …خائفين …خائفين …ولذلك لن يقوموا بأي إصلاحات ولا بأي تحديث ..لأن الاصلاح والتحديث معناه مقاضاتهم واحلال العقاب بهم ….
“وعندئذ لن يبقى أمام الأفراد سوى البحث المحموم عن اللقمة والخلاص الفردي إلى حد التضحية بكل شيء بدءاً من الكرامة والحرية، وانتهاءً بالسياسة في سبيل الحفاظ على الحياة بوصفها الشيء الوحيد المتبقي بعد أن تم انتزاع كل شيء منهم عبر الاختراق البنيوي وعبر الرعب الذي يصل إلى حد خوف المرء من ظله. إن هذا الارتداد إلى الحياة البيولوجية (وإن يكن بدرجات مختلفة بين مجتمع أو آخر وبين هذا الفرد أو ذاك) يعني فيما يعنيه كما قلت من قبل موت السياسي وضياع روح المسؤولية والمبادرة كما يعني تآكل القاعدة الأخلاقية الضرورية للمجتمع والفرد على حد سواء”.(أصلان عبد الكريم)
“إن القمع (والعاري منه بشكل خاص) والذي يشكّل القاسم المشترك لكل الأنظمة الدكتاتورية يتفاقم ويتخارج “ويتناغم” في الشمولية في وحدة جامعة بين أشكال ثلاثة القمع العاري والكامن والذاتي وقد يكون الأخير هو الأخطر حيث تتحوّل الرقابة الداخلية الذاتية إلى شرطيّ حقيقي يقوم بواجبه خير قيام في تدمير الكينونة الإنسانية وربما أكثر بكثير من الشكلين الأول والثاني اللذين ولّداه في الأصل.”(أصلان عبد الكريم).
إن فلسفة القمع التي تبناها النظام الأمني في سورية وكثير من الدول العربية ، نجحت إلى حدٍ كبير في إلغاء(تقليل عدد) الفرد –المواطن الذي يتمتع بعلاقة خاصة مع الدولة ، وهي مراقبة وطاعة هذه الدولة القانونية ..ومقاومة ذات الدولة المتحولة إلى دولة أمنية وعدم الطاعة لها ،لأنها في النهاية ليست دولة الجميع ،وإنما دولة لمجموعة من الأشخاص ولذويهم وأقاربهم …ونطلق عليها القمع الذاتي كون الفرد –المواطن يقوم بقمع نفسه ، خوفاًً من القمع العاري الذي ثمارسه الاجهزة الأمنية المتضخمة لاسباب أمنية وخوفاً من المواطن النموذج الذي يطيع الدولة اذا كانت تعمل للصالح العام ويقاومها إذا تحوّلت إلى دولة اشخاص أي لمصلحة اقلية وللحفاظ على إمتيازات هؤلاء الأشخاص .و أن هذه الدولة الأمنية قضت على الكينونة الانسانية ،وشوهت القاعدة الاخلاقية الضرورية التي تُنَّظم المجتمع ، ولذلك انقلبت كل مفاهيم المجتمع وخاصة مايتعلق منها بالحفاظ على استمرارية هذه الدولة (المسخ) القمعية …فصارت تُطلق اسماء كالشطارة على الأفراد المتحايلين على القانون ، والذكاء على الأفراد الذين يتبنون مجموعة من الآراء ، يثستخدم بعضها أمام اشخاص لهم علاقة بالسلطة بهدف الحفاظ على وظيفة ما ،و بعضها الأخر يتم التعامل به مع الأشخاص القريبين و المعارضين للسلطة … وجميعنا يذكر كيف انتشرت اساليب السلبطة والبلطجة والادعاء بالقربى من المسؤولين واصحاب القرار في الحل والربط … بالمقابل يُطلق على المواطنين الذين يصرون على التمسك بأخلاقهم (ماقبل القمع الذاتي) بأنهم اغبياء واحياناً بال”مجانين”، وكم عانى ومازال يعاني المناضلون الذين مكثوا ومازالوا يمكثون في السجون السورية بتهم كاذبة مدبرة لهم من قبل(الأجهزة الأمنية) ، يجسدون في سلوكهم المواطن الحر الشريف حارس القانون ومطيع القانون ، والرافض لممارسة الدولة الأمنية المسخ …حتى أن هذا القمع الذاتي ذهب مع المهاجرين إلى خارج الدولة السورية ، إلى ساحات اخرى بعيدة عن تطبيقاته في الدول الأمنية بعشرات الآلاف من الكيلومترات ، بحيث أن المقموعين ذاتياً يخافون ان يتكلموا مع مواطنين يقاومون وجود هذه الدولة الأمنية ..مجرد الكلام وليس نسج علاقات أو اجتماعات …الخ.
ومثلَ، هؤلاء في الدولة السورية والعربية المسخ، مثل اولاد امرأة زانية وحيدة في قرية سكانها شرفاء، أجبروا نساء القرية أن يصبحن جميعهن زانيات، ومن رفض هذا التحول قاموا بجلده وسجنه وارهابه ليترك القرية ويذهب الى قرية أخرى، أو وضعه في زنزانة منفردة حتى يعترف أن النساء الزانيات هم أشرف من النساء الشريفات وإلا سيبقى سجيناً مدى الحياة …
وهنا نستعيد ماقاله أ. عماد فوزي شعيبي في مقال له عن” تحّولات مفهوم الدولة وممارساتها في ضوء الديمقراطية ” : “إذا كانت الدولة المتطورة هي القاسم المشترك الأعظم بين الناس، فإن الدولة (المسخ) قد تحولت إلى كابوس حقيقي بين الناس وفوقهم. وإذا كانت الطبيعة التاريخية للدولة أنها ضابط التنوع والأمزجة المختلفة والمتضاربة، فإن هذه الطبيعة قد تطورت إلى حد كبير من النموذج القديم القائم على الإكراه(force) واحتكار العنف،إلى تجّسيد لهذا التطور في نموذج الضبط (CONTROL) القائم على الذكاء التقني والمدروس بحيث تتراجع عملية الإكراه مع بقاء مؤسساتها جاهزة دائماً،و تتنامى مؤسسات الضبط النفسي والإيقاعي عبر العمل ووسائل الترفيه وعبر تفاعل مؤسسة الإكراه بسلطة مؤسسة الضبط..
فالاستاذ شعيبي محق في كلامه عن الدولة بمعناها الشرق أوسطي او بالاحرى الموجودة حالياً في الدول العربية وسورية مثال عن هذه الدولة المسخ التي تحولت الى كابوس بل إلى آلة تُصدر الرعب والخوف، بل إلى آلة تقتل وتعدم كل مواطن حر وشريف يريد أن يمارس دوره الحقيقي، لكن الشيء الذي لا نعرفه هو هل قصد الاستاذ شعيبي، الذي يدافع عن النظام والسلطة في سورية كلما أُتيحت له الفرصة لذلك، وهل تخيل نفس الكابوس الذي يعيشه الشعب السوري منذ أربعة وثلاثين عاما على الاقل ….؟؟؟.فهو كعادته يتكلم نظريا عن السلطة والدولة في كوكب آخر وعملياً يفترض أن في سورية دولة ذات مؤسسات وهي سائرة إلى تاسيس لدولة القانون التي لا نعرفها نحن السوريين ،بل نسمع عنها في أحاديث المسئولين السوريين …وكل ما نراه هو السجون والاعتقالات التعسفية والمحاكمات الميدانية وغير الشرعية، والتي لا تُعطي حتى الحق في الدفاع عن النفس ،وعندما نسأل السوريين في الخارج والداخل عن مدى تحقق هذه الدولة ذات المؤسسات “الشعيبية” الموجودة فقط في مخيلة هذا الاستاذ الجامعي ،الذي يستعمل كل الفلسفة وعلم الاجتماع السياسي للدفاع عن السلطة والدولة الأمنية في سورية ،نشهد له في هذا المجال ولكن دون إعطائه الحق في ذلك لانه يقوم بعمل تشويهي للحقائق مستخدماً كلام حق للدفاع عن باطل …دون أن ننسى أن له منافسين في هذا المجال امثال بثينة شعبان ، ،وثلة من الصحفيين المرتزقة الذين جُلَ همهم هو التمويه على حقيقة النظام السوري وسلطته الأمنية البوليسية من أجل ذر الرماد في عيون الرأي العام العالمي والمحلي على السواء…وهذا شيء يؤسف له ..لأن الاستاذ شعيبي والدكتورة شعبان وغيرهم قد تكون نيتهم الدفاع عن بلدهم سورية …ولكن في النهاية الذي يقطف ثمار وطنيتهم هو النظام الأمني الموجود في دمشق والذي ليس في نيته أي رغبة في التغَيُّر أو التغيير من أساليبه وممارساته الأمنية التي تُلغي أي مفهوم للدولة ذات المؤسسات ،بل تُثَبت مفهوم الدولة (المسخ) كما وصفها بحق الاستاذ شعيبي ، وهنا نقول مع آلان رونو كما
يقول في مقال “الفرد” والدولة :
كمؤسسة وككائن حقوقي، لاتوجد الدولة بشكل فعلي إلا بفعل أعضائها لأن كل ما هو مكتوب يكون ميتاً حتى اللحظة التي يصبح فيها معاشاً ومتكلماً به. وهذا يعني بدون مواطنين يفكرون، يؤمنون بقناعات ،يتكلمون باسم الدولة ،هذه الدولة تبقى لاشيء:فهي تتجسد إذاً بمواطنين ،وتستمد حياتها من استقلاليتهم وإخلاصهم للنصوص القانونية ولقدرتهم على طاعة هذه القوانين بدلاً من الانقياد لمصالحهم الخاصة الفردية التي تحثهم وتجتذبهم لها، ولهذا نقول أن الدولة هي قوانين لها حيويتها في تنظيم المجتمع والواقع المعاش كضمير جمعي له استقلاليته .
ويصرّ رينو على قضية العنف والقوة للتمييز بين الدولة ذات القانون والدولة الأمنية (المسخ )، فيقول :
“نُميز بين العنف والقوة : بينما العنف يعتبر غير عقلاني يتم استخدامه لأغراض خاصة … فإن القوة هي عقلانية (تلد مع الحسابات) وتُقاس ضمن حساب مصلحة تطبيق القانون ولذا هي في خدمة الجميع. فالدولة التي تستعمل العنف ليست دولة وإنما هي مجرد اسم لمجموعة مصالح أو تجمع مصالح شخصية ترفض الحوار لأنها تظن معرفة كل شيء وهي لاتعرف حقيقة ما تظن “.
وفي نفس الإطار الذي ننحوه كتب الاستاذ جاد الكريم الجباعي في مقالة له معنونة “الدولة الوطنية والمجتمع المدني”، يقول:
” قبل المجتمع المدني هناك المجتمع، قبل الصفة هناك الموصوف، فهل يعترف السادة المدافعون عن التسلط والاستبداد بوجود المجتمع ؟ وإذا اعترفوا بوجوده، فهل يعترفون أنه أساس الدولة وحقيقة نظام الحكم ؟ بداية لا نريد منهم أكثر من ذلك، لكي نصف ونستوصف مجتمعنا القائم هنا والآن، ولكي نصف ونستوصف “الدولة” القائمة هنا والآن. فالوصف هو بداية المعرفة ومقدمة التحليل. ولكننا، للأسف، إزاء تقليد “ثوري”، بل ثوراني، يحـل الصفة محل الموصوف، فتختفي صورة الواقع الفعلي من الرأس، ويختفي معها العقل والضمير. فلا يبقى من الواقـع (المجتمع والدولة) سوى أشباحه وشبِّـيحته. ألسنا نعيش منذ عقود في عالم الصفات والأوهام الذاتية، أوهام الوحدة والحرية والاشتراكية والحداثة والتقدم والاشتراكية والعدالة والمساواة؟! عالم هو مزيج من الوهم والتوهم والإيهام والضلال والتضليل، عالم كل مقوماته هي الكذب والتلفيق والتزلف والنفاق وتسمية الأشياء بغير أسمائها، عالم يطفئ الروح ويقتل الضمير ويسكت صوت العقل ويغتال المعنى؟ ألسنا نشرب كل يوم ماء البحر ونجبر على أن نقول إنه عصير الليمون؟ إن عالماً هذه مقوماته هو عالم بلا معنى، بلا روح ولا قلب ولا ضمير. بدلالة هذا العالم الأيديولوجي الوهمي، أو بدلالة الصورة الوهمية للواقع التي صنعها الإرهاب والخوف يواجه مثقفو السلطة والأحزاب الشمولية دعوة المجتمع المدني ودعاة إعادة إنتاج الثقافة والسياسة في المجتمع بوصفهما بعدين متلازمين من أبعاد الوجود الاجتماعي، منذ كف الإنسان عن كونه نوعاً صائداً ومفترساً بين أنواع أخرى، واستوى على دوره النوعي بستانياً للعالم، ثم صانعاً ومنتجاً لكل ما فيه.
تنطلق هذه المقاربة لمفهوم المجتمع المدني من / وتتأسس على فرضية التضاد بين المجتمع المدني والدولة الوطنية من جهة، والمجتمع الجماهيري والدولة التسلطية ذات الطابع الشمولي من جهة أخرى. وذلك لاعتقادنا أن هذا التضاد هو الذي يحكم سائر التعارضات الاجتماعية والسياسية الأخرى، في المجتمعات التي تعاني من مثل هذه الدولة، لا سيما أن الدولة التسلطية تقوم على الاحتكار الفعال للسلطة والثروة والقوة،، وعلى احتكار الحقيقة والوطنية، وتدمر مختلف الفئات الاجتماعية، وتلغي جميع أشكال التضامن الجمعي والاجتماعي داخل كل منها وفيما بينها، وتحول المجتمع إلى سديم بشري غير منسوج، أو إلى “جماهير” أو كتل من أفراد سلبيين ومنعزلين وخائفين، ولا مبالين، تقوم بين كل منهم، بصفته الشخصية، وبين السلطة علاقات خطية مباشرة، قوامها الإرهاب والخوف، أو الاستتباع والولاء، وتطغى على حياتهم قيم الوشاة والمخبرين، بقدر ما يطغى الطابع “الأمني”، البوليسي على مؤسسات الدولة وآليات عمل السلطة، وبقدر ما تتحول السلطة إلى نسق مولد”.
أما الكاتب السياسي ياسين الحاج صالح فيتكلّم عن الاستبداد والطغيان في مقالته “تأملات في الاستبداد والطغيان ” فيقول :
“يقوم الاستبداد على المنع، فهو “يكمّ الافواه” و”يُغل الايدي” ويراقب افعال الناس ويقمع المعارضة والرفض، لكنه يرتضي من الناس الصمت على الحال والانكفاء عن الشأن المشترك. في المقابل، الطغيان عدو الصمت، فهو يجبر الناس على الكلام ويكرههم على المشاركة في بناء صروحهم المادية والسياسية والمعنوية، ولا يتخيل وجود معارضة فيسحقها وينظف المجتمع منها. وبينما يسجن النظام الاستبدادي خصومه، او يدمرهم أحيانا، فان همه الاول هو بقاؤه. اما نظام الطغيان فيقتل ويخرب ويدمر، وهدفه الاول افناء خصومه.
لسان حال المستبد المثالي يقول: اتركوني وشأني افعل ما اشاء، ولكم ان تفعلوا ما تشاؤون بعيدا عن منازعتي سلطاني. اما الطغيان فلا يترك اصلا للناس شأنا خاصا بهم. فهو مختص بشؤونهم جميعا يفعل ما يشاء، وعليهم ايضا ان يتقبلوا مشيئته قانونا لوجودهم، فلا يختصون بشأن من شؤونهم.
والفارق الجوهري ان الاستبداد لا يتخطى منع الناس من فعل ما يؤمنون به. فيما يكره الطغيان الناس على القيام بعكس ما يؤمنون به. وبينما قد يمنعك المستبد من مطابقة فعلك مع اعتقادك، فان الطاغية يجبرك على مطابقة فعلك مع عقيدته المفروضة. يحظّر المستبد فعل اي شيء يمكن ان يلحق به ضررا، فيما الطاغية يجبر الناس على فعل ما ينفعه فقط. ولا يتدخل الاستبداد عموما في شؤون العاطفة والوجدان، فللناس حرية الضحك والبكاء والحزن والفرح. اما الطغيان فيُكره الناس على الضحك في افراحه والبكاء في احزانه والرقص في اعياده والحداد في مآتمه. وفي حين لا يدمج الاستبداد الناس في آلته السياسية او يدمجهم ادماجا سطحيا، فان الآلة السياسية المعقدة للطغيان لا تترك شيئا خارجها. فالطغيان نظام تسييس شامل اضافة الى كونه برنامج احتفال دائم في الوقت نفسه. والفرح السياسي والبكاء السياسي والرقص السياسي هي وقائع مميزة لأنظمة الطغيان لا نجدها في غيرها. لذلك ليس هناك اي شيء حقيقي في ظل الطغيان: لا الفرح ولا الحزن، لا العمل ولا التمتع، كل شيء احتفال، ومع هذا تعتبر التلقائية باباً للشر، كل شيء جدي ومع هذا لا يطيق الطغيان الجدية في العمل”. واذا ابرزنا واقعة غياب الاجسام الوسيطة في انظمة الطغيان، الواقعة التي يبرزها محللو الانظمة الشمولية، فلأننا نريد ان نقول ان ما يسمّى الشمولية احقّ بأن يسمّى الطغيانية المحدثة. وهذا ينطبق ربما بصورة ادق على النموذج الشرق اوسطي من الشمولية اكثر من النموذج الاوروبي الشرقي. فقد جرى هنا “تحوير في وظائف النظام الشمولي الكلاسيكي كي يلبي الحاجة الطارئة الى التمكين لنخبة عديمة النفوذ في الدولة والادارة ومساعدتها في ارساء اسس قوية وثابتة، مادية واجتماعية لسلطتها المتنامية. وهذا ما اضفى على هذا النظام طابعا عشائريا وفلاحيا ميّزه عن تلك
وعلى كل حال، عنصر الشخصنة هو الذي يقرّب الشمولية الشرق اوسطية من نظام طغيان محدث يتفجر عنفا وحشيا واعتباطا وهوجا في مواجهة اية تحديات داخلية يواجهها. وهو الذي يجعل النسخ السورية او القذافية من الشمولية اقرب الى المفهوم القديم للطغيان الذي يقوم على الفردية والقسوة والهوى والتعسف، وخصوصا في اوقات الازمات. وفي المقابل لم يعد يمكن الطغيان ان يوجد من دون عناصر اعتدنا على ان نقرنها بالشمولية، كالحزب الواحد والعقيدة الرسولية و”السياسة المبدئية” والاقتصاد المدوّل. بل ان الطغيان لا يوجد في عصرنا الا وهو يضع على وجهه قناع السيادة الشعبية الحقيقية، المتعالية وغير القابلة للقسمة او التفويض.
يبقى ان اي دولة عربية لم تضع نفسها جديا فوق احتمال انهيار الدولة والمجتمع والغرق في مرحلة فوضى دموية. ويبقى الاهم ان معظم الدول العربية تعيش في بيئة سياسية صنعية اسمها الشرق الاوسط، وهي بيئة مدوّلة تدويلا عميقا ولا يخضع التغيير فيها لجدليات داخلية، او في الاصح لا تتحكم الجدليات الداخلية في احداث التغيير وتحديد وجهته. وهكذا فان الجدليات الداخلية الغائبة ممنوعة فوق ذلك من الانفتاح على افق التغيير. هذا الحصار المزدوج، الداخلي والخارجي، هو البيئة الشرق اوسطية. وهذه البيئة لا تمكّن الدول والمجتمعات من التعافي والنهوض، وتمنعها في المقابل من الانهيار، وهي لذلك تعرض مشهدا سياسيا واجتماعيا وانسانيا واقتصاديا وعسكريا يجمع بين التداعي والسقوط وبين انتصاب رسوم الدولة جميعا.
” أما عن الواقع والواقعية فقد يفيد أن نحيل إلى نص محاضرة قيمة كان ألقاها د. نبيل سكر في عمان ونشرتها جريدة “السفير” البيروتية في 14 و16 حزيران 2004. ماذا نجد؟ يبلغ الدخل السنوي للفرد السوري اليوم أقل من ربع دخل اللبناني(!)، وقرابة ثلثي دخل المصري وأكثر بقليل من نصف دخل الأردني، ولا يرتفع إلا على دخل السوداني والموريتاني واليمني من بين العرب. هذا واقع. وقبل ثلاثة عقود كان دخل الفرد السوري أدنى فقط من دخل مواطني دول النفط واللبنانيين. هذا أيضا واقع. وهذا الواقع ليس قدرا بل نتيجة خيارات سياسية اعتمدتها النخبة الحاكمة المدللة التي وصفها رياض سيف فر جلسة الحكم عليه قبل 15 شهرا من اليوم بأنها أكثر نخبة محظوظة في العالم: متحررة من رقابة الرأي العام، وتعمل دون برلمان منتخب انتخابا حرا ودون صحافة حرة ودون مجتمع مدني مستقل ودون حياة سياسية حرة. ولهذه الخيارات الحرة الفضل في وجود ما بين 80 و120 مليار دولار من أموال السوريين خارج البلاد حسب وزير الاقتصاد السوري بالذات، أي ما يتراوح بين أربعة وستة أضعاف الناتج الوطني الإجمالي لعام 2002(أقل من 20 مليار دولار). وهذه المبالغ الخرافية ليست أموالا خاصة هاربة “نفد” بها “برجوازيون” خائفون من التأميم، بل هي في معظمها أموال عامة مهربة أودعها “أمانة” في سويسرا وجزر العذراء… “اشتراكيون” منهمكون في صناعة “الواقع”. ومن أصول هذه الصناعة عدم الاعتراف للناس بأية حقوق لكي يعتبروا نيل بعض حقوقهم “خطوات ايجابية” ينبغي الاحتفال بها، ولكي تكون المطالبة بالتساوي في الحقوق تنطعا وتطرفا ولاواقعية. ومن أصولها الترويض على الرضوخ والتطبيع على عدم الاعتراض على “الواقع”. ومن أصولها اعتبار الاعتراض إما طمعا في السلطة أو ارتباطا بجهات خارجية. الواقع صناعة سياسية مجزية”.
———————————————————————————————–
حرصت هيئة تحرير نصوص المؤتمر عدم التدخل في النص باعتبار استنتاجاته الأساسية حول القمع والعنف في الدولة الأمنية قد برزت بشكل واضح في خضم الحركة المدنية السلمية ومواجهتها بالحل الأمني العسكري
كتب للإطلاع
Aristote: Politique, livre I.
Kant: Idée d une histoire universelle d un point de vue cosmopolitique, IV ème proposition.
Hobbes: Léviathan, chap. 13 à 16
Rousseau: Du contrat social
Rousseau: Emile, Livre IV: Texte essentiel sur le rôle pédagogique des lois, quelqu en soit le contenu.
Lénine: L Etat et la Révolution, (Editions sociales)
Marx et Engels: L Idéologie allemande, (Editions sociales, p.61 et 62)
J. Freund: L Essence du politique, (Sirey)
F. Engels: Origine de la famille, de la propriété privée et de l Etat
G. Burdeau: L Etat, (Le Seuil 1970)
E. Weil: Hegel et l Etat, (Vrin)
Foucault-Deleuze: Les Intellectuels et le Pouvoir, (L Arc, n°45 – 1972)
Patrice Canivez: Eduquer le citoyen (coll. Optiques de Hatier)

• Alain Renaut: L Individu (coll. Optiques de Hatier) Voir l aperçu dans Philagora
Voir dans “Philo-notions/bac”, les pages

syriaindca

Error: Twitter did not respond. Please wait a few minutes and refresh this page.

Twitter Updates

Error: Twitter did not respond. Please wait a few minutes and refresh this page.

%d bloggers like this: