Syrian International Conference

Home » English » الحركة الإسلامية المسلحة والآفاق الديمقراطية في سوريا / الشيخ رياض درار

الحركة الإسلامية المسلحة والآفاق الديمقراطية في سوريا / الشيخ رياض درار

dradالعنف والديمقراطية مبدآن متناقضان، وتجارب الديمقراطية للشعوب لم تتخلص من العنف، فالعنف يشغل حيزا كبيرا في التاريخ، انه ظاهرة يجب السيطرة عليها في أضعف الإيمان. لا نريد عنفا تنتصر في نهايته الديمقراطية، لأننا لا نريد العنف بذاته ….. هل يمكن الوصول إلى ديمقراطية بدون عنف؟؟ . إن كثيراً من الديمقراطيات دفعت دماً للوصول إلى حالة مستقرة لكننا لا نبحث في إعادة التجارب.
الديمقراطية التي تضمن نهاية العنف عليها أن تضع في حسابها التعقيدات الهيكلية والموضوعية للمجتمع الذي تسعى للحلول فيه، عليها إتاحة معادلات أكثر مواتاة للسلام الأهلي… إن الديمقراطية تضمن السلام الأهلي وتحل مشكلة المشروعية والاجتماع الشعبي لنظام سياسي، وهي تضمن ممارسة السياسة كأسلوب متحضر في إدارة شؤون الناس وحل مشكلاتهم وتناقضاتهم، وإقامة نظام سياسي يقوم على الحوار، والتفاهم السياسي، وتداول السلطة، ونبذ العنف بكل صوره، والاحتكام إلى نتيجة الانتخابات النزيهة والشفافة، وهذا يتطلب ثقافة ديمقراطية بمواجه تقليد الفوضى والتطرف الديني.
إن مسالة البنية الثقافية مهمة في المواجهة بين ممارسي العنف وبين القوى الديمقراطية، وعلينا أن ندرك أن العنف له أضلاع عدة تنتج من بنية ثقافية، أو ممارسة سياسية، فهو يتأثر بعلاقات التوزيع الطبقية المشدودة بمطالب متناقضة نحو العدالة،
وبنظام التعليم الذي يغذي الشعور العنفي، وبمسائل الثأر والشرف القبلي، وبالبيروقراطيات السياسية والأمنية التي تدافع عن امتيازاتها، كما يتأثر بالشرعيات الإيديولوجية التي تتحيز للعنف، ولاسيما الدينية منها، ولا ننسى التأثيرات الخارجية في استمرار العنف.
كمقدمة للدخول في موضوع الحركة الإسلامية المسلحة نلفت النظر إلى أن العنف كان بصمة عربية في الجاهلية، واستمرت بعد تحول نظام الدولة الإسلامي إلى حكم ملوكي جبري حول الدين إلى فتاوى سلطانية تستنسخ نفسها، وتتموضع حيث تيسر أمر استقرار الحكام واستتباب الأمر لهم مهما طغوا، بحجج عدم الفتنة (سلطان غشوم ولا فتنة تدوم)، وتحت قواعد الطاعة والاستقرار…. إننا نرى بسبب ذلك حشداً من فتاوى التكفير، ومشاهد الذبح وتخريجات الفقهاء، وأسواق النخاسة، وبكاء الأرامل وعويل اليتامى …. نرى الاستخفاف بالنفس الإنسانية فهي يضحى بها دون أن يهتز للسياف جفن، وتضحي بنفسها دون اعتبار لهدف التضحية مادامت تحلم بمكانة في جنة موعودة.
إنها مشكلة العنف اللاعقلاني الذي يصبح المشتركون فيه ضحية لصياغة اجتماعية وثقافية زائفة، أتقن تأسيسها المحرضون على العنف الذي قد تكون له أهدف ولكنه يناقض بأسلوبه بنية هذه الأهداف وأساساتها كما هو الحال في العنف الإسلامي.
إن العنف السياسي الذي عادة ما يبدأ بالتطرف الإيديولوجي يمثل تهديداً مباشراً للديمقراطية، والتيار الديني قد يبرر عنفه السياسي بمبررات دينية، ولكنها تبقى إيديولوجية متطرفة خارجة عن الدين الذي يدعو للتسامح، والتعارف، وسماع الرأي المخالف، وحرية الاعتقاد…. لكنه العقل التقليدي الذي يتحول في ظروف معينة إلى عقل إرهابي ينظّر للعنف، ويصدر فتاوى التكفير والتنفير عبر إباحة سفك دم المخالف .
بدأ العنف الإسلامي المعاصر عبر ترويج فقه التكفير من خلال المدرسة القطبية ومعالم على الطريق.
إن سيد قطب الذي لم تسبق له دراسة الفقه الإسلامي خرج بنظرياته التكفيرية كنظريات سياسية تعبر عن فقه المحنة لا فقه الأمة …. فهو وضع للجاهلية تعريفاً جعلها تشمل جميع العصور والمراحل التاريخية، وتنطبق على كل وضع بصرف النظر عن اعتبارات الزمان والمكان ما دام مشابهاً لمرحلة ما قبل الإسلام….. و(معالم على الطريق) الذي يعتبر مانفستو الجماعات التكفيرية، رسم صورة للجاهلية المجتمع لا تشفع لها كل علوم التنظير والإبداع المعاصر، فهي اعتداء على الحاكمية التي هي أخص خصائص الألوهية، إذ تستند إلى حاكمية البشر فتجعل بعضهم لبعض أرباباُ.
إن ما شجع هذه الأفكار عدم إدانتها من العلماء المعاصرين، فسيد قطب لم يكن فقيها ولا رجل علم في الدين إنما هو رجل أدب وبلاغة تناول النص الديني وفق رؤية سياسية.. وربما هذا هو منبع الإعجاب الذي قاد إلى تمحور الكثيرين حول كتابه “في ظلال القرآن “وبيانه الساحر ،إضافة إلى أنه جاء في ظروف التحولات الثورية للأمة، والتفتيش عن هوية لها.
يعود استعمال العنف لدى التيارات الإسلامية إلى فكرة ربط الحق بالعنف، وحين يتماهى التفكير بالدين يرى أنه على حق، وأن غيره على باطل وضلالة.. وعندما يفكر أن الحق معه، لا يتورع عن استعمال العنف لفرض هذا الحق… وعلى حد قول “محمد طلال بازرباشي”، الناطق الإعلامي باسم الجبهة الإسلامية الموحدة: “الحق الوحيد هو الشريعة وكل ما دونها باطل… صحيح أن الباطل يتفاوت بالدرجة، لكنه في النهاية باطل ونحن نرفضه ولا يهمنا شيء نخسره مقابل أن نربح حكم الشرع على أرضنا… فنحن لا يهمنا وطنيات ولا قوميات ولا حتى نسب وصلة دم، إذا كان الثمن تطبيق الشريعة”.
أما كيف تطبيق الشريعة ؟؟؟ يقول : “إن من دفع الدم هو من يقرر كيف يكون الحكم.. والقول للمرابطين في الخنادق لا للذين يجلسون في الفنادق”.
والتغيير عندهم يكون باليد، وتفسيره بالسلاح، ورفع لواء الجهاد ضد الكفار، وضد الحاكم الجائر، أو المارقين عن الدين… وهذا يتناقض مع الطبيعة البشرية القائمة على الاختلاف والتنوع، ومخالفاً لتوجيه الدين الذي يدعو للتعارف بين المتخالفين لا إلى قتلهم.
لقد كان الحديث عن بداية الحراك الشعبي عن إمارات إسلامية، ومتطرفين وأصوليين يثير السخرية لدى كثير من المعارضين، وكانوا لا يقبلون تصريحات النظام بوجود مجموعات مسلحة ويعتبرون ذلك دعاية مغرضة، تهدف إلى الإساءة للحراك السلمي المدني، وتشويه صورته وإخافة الناس لمنعهم من الانضمام إليه.
إلا ان مؤشرات كثيرة كانت تفيد بوجود تيارات إسلامية تتربص وتتحرك على الأرض بانتظار فرصة للانقضاض على الثورة ولحمل السلاح ….. وجاء العفو الرئاسي الأول بعد اتساع الحركة الشعبية ليوسع دائرة المتشددين الذين أطلق منهم النظام عناصر عايشوا أحداث سجن صيدنايا وكانوا مشاركين فيها.
لم يكن الخوف من مشاركة الإسلاميين في الثورة، كان الخوف من هيمنة توجه أصولي متطرف، بشعارات طائفية إقصائية مكفرة لكل من يخالف.
وبعد شعارات الوحدة الوطنية وتمجيد الحرية والدولة الديمقراطية التعددية. وبعد المواثيق التي تتبنى مبادئ المدنية ونفي أي مشروع لأسلمة سوريا بما فيها تصريحات الإخوان المسلمين، أطلت مجموعات وان على خجل في بداية الحراك المسلح تدعو إلى تطبيق الشرع الإسلامي على الدولة الموعودة، ثم حلت دعوات لإمارات إسلامية، ومجالس شرعية ودولة الخلافة وتطبيق الحدود والمحاكم الشرعية.
زاد بروز هذا التوجه مع ظهور جبهة النصرة على واجهة الأحداث، وفرض نفوذها على اغلب الألوية والكتائب المسلحة التي أصبحت تتسابق لإظهار ميولها الإسلامية، وإبراز التزامها بنهج الدين والشريعة، وسعيها إلى تطبيق أحكام الدين على المجتمع في سوريا، وتسابقت للتوحد ضمن جبهات عدة … فظهرت الجبهة الإسلامية الموحدة – وجبهة تحرير سوريا – وحركة الفجر الإسلامية – وحركة الطليعة الإسلامية.
تبنت هذه الجبهات في خطابها المعلن وجوب تطبيق الشريعة الإسلامية، وبدأت مظاهر ذلك تتبدى في مناطق عديدة بعد إخراج النظام منها، خاصة في ادلب وحلب. وتشكلت هيئات الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر، وتشكيل محاكم شرعية تقضي وفق الشرع الإسلامي.
التطور اللافت هو تعاهد كثير من الكتائب المسلحة على إسقاط مشروع الدولة المدنية الديمقراطية، وإقامة خلافة إسلامية، وخرج علينا (ميثاق العمل المشترك لإقامة خلافة إسلامية) جاء في مقدمة الميثاق :
(إيمانا منا بوجوب العمل على تطبيق الشريعة الإسلامية و استئناف الحياة الإسلامية وتحقيق بشارة الرسول “ثم تكون خلافة على نهج النبوة” نعاهد الله تبارك وتعالى على العمل وإسقاط مشروع الدولة المدنية الديمقراطية في سوريا وإقامة خلافة إسلامية).
وبحسب الميثاق فان الخلافة تقوم على أسس أهمها: السيادة للشرع الإسلامي “وليس للشعب” الذي يكون له السلطات واختيار الخليفة، الذي له حق تبني ما يراه من الأحكام الشرعية الاجتهادية يسنها في مواد دستورية وفي القانون.
وتبنى الميثاق مشروع الدستور المقترح لحزب التحرير لدولة الخلافة الموعودة.
ووقع على هذا الميثاق: – يحيى مزاوي، قائد كتيبة أحفاد الرسول – الرائد أمين خليل، قائد كتيبة المهاجرين – النقيب خليل العمر، قائد كتيبة عبدا لله بن الزبير – مصعب السعيد، قائد كتيبة أحرار الإسلام – عبد الحميد عبد الحميد، ممثل حزب التحرير – وعشرات الكتائب والفصائل المسلحة، وانضمت له تنسيقيات مثل: – تنسيقية تفتناز – تنسيقية ثوار الغوطة – تنسيقية الحمراء – تنسيقية الدبلان – تنسيقية تل ابيض. وما زال التوقيع مستمراً.
وبرزت أصوات وشعارات لتظاهرات تدعو “الشعب يريد خلافة إسلامية”.
وحدثت اشتباكات مع معارضين علمانيين تسببت في قتلى وجرحى، وجرى اعتقال الكثيرين من قبل جبهة النصرة.
وأخيرا قامت الجماعات الموقعة على الميثاق بتشكيل لواء عسكري مهمته العمل على تطبيق بنود الميثاق، وأطلق عليه اسم “لواء أنصار الخلافة” وهو بعد أن كانت مهمته الدفاع عن المدنيين، صارت مهمته إقامة خلافة إسلامية.
(المقطع الأخير من مقال عن صفحة عرب برس 13/1/2013)
إذن، تيارات العنف الديني لا تعترف بفكرة الدولة الوطن، وتستند إلى مفهوم الأمة الإسلامية، وضرورة إرساء الخلافة، لذلك نجد “بازر باشي” الناطق باسم الجبهة الإسلامية الموحدة يقول “عندما يتكلم الإسلاميون المجاهدون فعلى العالم أن يصغي، والله لا يُحرر الأرض ويحمي البلاد إلا المجاهدون أصحاب العقيدة الصحيحة، والمؤمنون بأن الحكم لن يكون إلا بما يرضي الله والشرع الحنيف لا بالديمقراطية ولا بغيرها، فلتذهب كل الأطروحات الكاذبة من الديمقراطية والاشتراكية والقوميات الفارغة إلى مزبلة التاريخ” فنحن قوم أعزنا الله بالإسلام ومهما ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله” والله لن نرضى إلا الشريعة حاكمة لأن من دفع الدم هو من يقرر كيف يكون الحكم”.
أما الدولة المدنية الديمقراطية فهي عندهم بالضرورة ضد الإسلام… يقول: “الذين يطلبون الديمقراطية لهم حقوق يحفظها الشرع، وعليهم واجبات لابد أن يؤدوها، وسوريا دولة إسلامية، ومن أراد أن يعيش منفلتا من ضوابط الدين فهناك بلدان دينها الديمقراطية، فإذا أرادوا فليذهبوا إليها”.
إن الجماعات الإسلامية ترى أن الديمقراطية تنبع من تعدد الإيديولوجيات، وهذا برأيهم مرفوض في الإسلام، ومناهض لحقيقة التوحيد، وهم يتهمون كل من يقبل الديمقراطية بالردة والعلمانية أي الكفر. مع أن الديمقراطية تستند في رؤيتها وتطبيقها إلى عالم المعقول الذي يبرز الاجتهاد فيه من غير توقف،ل ا إلى عالم الغيبيات الذي يثير الخلاف.
إن الناشطين الإسلاميين في سوريا بتشددهم ضد الحل الديمقراطي يساهمون في تأخر الإسلام ودخوله العصر، فالديمقراطية تعبير ومفتاح من مفاتيح العصر فعليهم أن يتغيروا بما ينهي صلة الانقطاع التي تربطهم بالديمقراطية أو أن تطويهم الديمقراطية. فلابد من تسويةٍ تاريخية لإنقاذ سوريا من الانقسام والتناحر بين ما هو إسلامي وغير إسلامي على أرضية المواطنة، وتأسيس المجتمع السياسي الذي يركَب وعيه عناصر متعددة تتسم بالحداثة وتسعى للتقدم.
هذا يدعو للتوافق على السماح بتكوين أحزاب إسلامية أيضاً على أرضية العقد الاجتماعي المشترك، والذي يقوم على تداول السلطة، وهو شرط قبول تشكيل الأحزاب.
إن جوهر الديمقراطية يقوم على الاختيار الحر لممثلي الشعب ولا يجوز حرمان أي تيار شعبي من التعبير عن ذاته حتى لا يلجأ إلى العنف والعمل السري. وعلى الناشطين الإسلاميين من أجل الدخول في اللعبة الديمقراطية ألا يقفوا عند الإدعاء بتمثيل شرعي ووحيد للإسلام دون غيرهم، ولا يلجئوا للعنف كخيار كلما ضاقت بهم السبل، وألا يكون قبولهم بالديمقراطية موقفا انتهازياً للسيطرة على الحكم ولمرة واحدة وأن يكون الموقف من المرأة والأقليات واضحاً لا لبس فيه ولا عودة عنه.
فلابد من وجود أرضية ثقافية ديمقراطية تقوم على حرية الفكر والاعتقاد وحرية العقيدة،وكون الإسلام مرجع ثقافي للأمة لا يضيره أن تكون الديمقراطية وسيلة تعبير عن الاختلاف مع المرجعيات الأخرى .
والإسلام في بنيته لا يتعارض مع العلمانية فهو لا يحكم بالحق الإلهي المطلق. والحاكم فيه ليس نائباً عن الله، ولا كهنوت في الإسلام، ومبادئ المدنية من مفرداته الأساسية، فدولته تقوم على مبدأ المواطنة حيث تسود المساواة بين المواطنين، والعدالة في الحقوق، بعض النظر عن الدين والعرق والجنس، وأهم شروطها التسامح والسلام وقبول الآخر والثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة.
ومسألة الديمقراطية تتعلق بالسلطة وبأسلوب إدارة العلاقات، وبالتالي فالدين وما يعبر عنه من تعلق بالغير والعبادات لا مساس فيها، ولا تُضار في لعبة السياسة التي تعبر عن المصالح من منظور كل فئة اجتماعية ترى المجتمع من موقع خاص بها تحدده مصالحها.
إن مراجعة الإرث التاريخي الفقهي ضرورة هامة للخروج من هالة القدسية التي رُسمت للرجال على حساب النص، وضرورة إعمال العقل والنقاش المفتوح بدلاً من تكريس ثقافة التسليم وقبول الأمر الواقع، وثقافة الإقصاء والاستبعاد، فلابد من حسم القضايا المتعلقة بالمرأة، والرق والإماء، والزواج من القاصرات، وتعدد الزوجات، وقضية الجزية، وحكم المرتد، والعلاقات مع أصحاب الأديان الأخرى “أهل الذمة” والتعدد المذهبي … الخ.
ولابد من التمييز وعدم الخلط بين المسلمين العقلانيين، وجماعات إسلامية ترفض الأسلوب السلمي في التحولات الاجتماعية.

syriaindca

Error: Twitter did not respond. Please wait a few minutes and refresh this page.

Twitter Updates

Error: Twitter did not respond. Please wait a few minutes and refresh this page.

%d bloggers like this: