Syrian International Conference

Home » English » هل من مخاطر على الأقليات الدينية في سورية بلد الأقليات؟ منذر بدر حلّوم

هل من مخاطر على الأقليات الدينية في سورية بلد الأقليات؟ منذر بدر حلّوم

14-12أيها الأصدقاء الحقيقيون لسورية وشعبها
أيها السوريون المؤتمرون أبناء الأوجاع والآمال المشتركة
سوريتنا يفتك بها نظام الأسد من أكثر من أربعين عاماً ويعجز عن قتلها، وسوف يعجز أشباهه عن قتل روح الحق والعدالة والكرامة والحرية فيها. سوريتنا، أرض محبّي الحياة ووطن عشّاق الحرية والجمال والإبداع، وهي الجنة فلا تصلح لأن تكون طريقا إليها، إلا إذا كان السلام والتفاعل الخلاّق هو الطريق وهو الحياة نفسها وهو المنتهى. فهل هم قلّة أولئك الذين يرون سورية للحياة وليس معبرا إلى ما بعد الحياة؟
كم مهمّ لسورية أن لا يكون محبو الحياة والحرية أقلية فيها. هنا همّنا المشترك.. هنا اشتغالنا المتكامل المتضافر الجهود، بصرف النظر عن اختلاف انتماءاتنا الدينية أو الإثنية أو سواها، أو تباين نظراتنا إلى الواقع أو مداخلنا إلى مشاريع الحلول. سورية غنية وجميلة وخلاّقة وولاّدة بتنوعها، ولكنه التنوع الذي يلتقي على حب الحياة والحرية. وكل اشتغال على إضفاء لون واحدٍ قامعٍ لبقية الألوان وأطيافِها اشتغالٌ معادٍ لسورية سادٍّ لآفاقها، كما أن كل جهة أو جماعة تحاول تطويع الآخرين تحت رايتها، لا تختلف جوهريا عن النظام الشمولي الذي خرج السوريون ضده، فإما هي، مثله، تستمد قوتها من التفرقة وتأليب الجميع على الجميع، نحو إلغاء الروح الجامعة لسوريين مختلفين من أقصى الرمل إلى أقصى الماء، مختلفين لكنهم متعايشون ومتحابون، أو هي لا تدرك معنى الروح الجامعة، ولا ترى إلا الضيق في الاتساع والأسود في الضوء. وليعلم أصحاب اللون الواحد أنّ في اجتماع ألوان الطيف بياضاً، وأما الأسود فهو اللا ضوء. ومثله سواد العقل والقلب. وفي النسيج السوري المزركش دينياً وعرقياً، تأتي المخاوف، في أقلّه، على عدد ألوان الطيف السوري، وتنوّعِ تاريخِ تطورها السوسيوثقافي، بما فيه من معتقدات وطقوس، ومع ذلك فالخوف الأكبر عند غالبية السوريين ليس على أنفسهم بمقدار ما هو على سورية، وإن كان عمى بعض الجهات وأجنداتها القاتلة، يجعل فكرة البقاء نفسها تحت إشارة استفهام، ويحوّل المعركة من معركة مع الاستبداد إلى معركة وجود بيولوجي. ومنه يمكن القول:
1- تأتي المخاوف استجابة لممارسات على الأرض تصبغ الأفكار بلون الدم. فغالبا ما يكفي القليل الفردي من الحوادث لاستدعاء استجابة جماعية حين يكون للأمر علاقة بمسألة البقاء. البقاء بيولوجيا والبقاء ثقافيا، حيث المكونات السورية، تجليات لثقافات، أحد عناصرها الدين أو المعتقد. ويشاء دعاة الحروب المقدّسة وأصحاب المصلحة فيها أن يكون الأبرز، وأن تصب في مجراه العناصر الأخرى كلها، وأن يكون الطريق إلى الحرية حربا دامية وشاملة، مع كل ما في الحروب من فظاعات، وأن تكون هذه الحرب من أجل السماء وليس من أجل الأرض، وهنا أسوأ ما في الأمر، وأخطره. لا مكان للحرية في ثنائية: مؤمن- كافر. وعلى ذلك تلتقي المخاوف لدى أقليات خارج مفهومها الطائفي والديني عموما. وعليه؛
2- بمعنى ما، سورية بلد الأقليات والسوريون كلهم أقليات، فما الأكثرية العددية إلا جملة أقليات تلتقي على أشياء وتختلف على أشياء أخرى. والحديث هنا ليس عن مذاهب وطوائف، إنما عن أنماط عيش وطرائق وجود، وموضعة للدين في مكان دون آخر، وتحميله وظائف دون أخرى، وما إلى ذلك من علاقة الديني بالدنيوي. وبهذا المعنى، هناك أقليات سنية ضمن الأكثرية السنية. فالنصرة أقلية والقاعدة أقلية والجماعات السلفية الأخرى أقليات والأخوان أقليه، وجناحهم المسلح أقلية ضمن الأقلية. وكل قول يؤمن بطائفة متجانسة وحيدة اللون قول معتل بالطائفية أو العصبوية والقطيعية. وعليه، فكثير من المخاوف سورية مشتركة وعابرة للمكونات السورية بما فيها الأكثرية (العددية)؛
3- سلسلة الأقليات القائمة على الاختلاف ولاّدة، وهذه دلالة على الحيوية، بل الحياة. كل مجتمع حي يولّد بصورة دائمة أقليات، تطرح في كثير من الأحيان أسئلة كبرى وتبعث على التفكير وكثيرا ما تنفتح معها بوابات تقي المجتمعات حالة الاستنقاع والركود. وربما يكون الأمر كذلك حتى في العقائد والأديان. مغزى الحياة يقوم على الاختلاف لا التماثل، وكل عقيدة تسعى إلى التماثل قطيعية وهي عقيدة موت تقود إلى فناء ذاتي إن لم يكن أكثر. وليست العلة في أن يريد أحد ما أو مجموعة بشرية ما شيئا مغايرا لما ألفه الآخرون أو ما يريدونه، إنما العلة في محاولة فرضه على الآخرين، والعلة الأكبر في استخدام العنف لفرض عقيدة ما وإلغاء كل ما يخالفها. هنا منبع الفاشية. هنا نظام البعث الأسدي وهنا الخوف من أن يستبدل به آخر يشبهه، لا يتقبل فكرة الاختلاف حتى يتقبل في بنيانه أقليات لم تشاركه الطريق إلى الموت تحت شعارات الحرية؛
4- ومن حيث أنّ الأقلية دائما ممكنة بل وضرورية لإثبات فعل الحياة وفكرة التجاوز، فهي تنتمي إلى مقولة النوع وليس الكم، وبالتالي فالمخاطر التي تتهدد الأقلية بما هي نوع تتعدى البيولوجيا والعرق والعقيدة نحو الثقافة. والمشترك النوعي هنا يسمح بالعمل المشترك في وجه المخاطر المشتركة. للعلمانيين محل هنا في اشتغال عابر للانتماءات العقائدية وسواها من انتماءات حصرية إلغائية؛
5- مخاوف الأقليات الدينية، والتي أميل إلى اعتبارها أقليات ثقافية أكثر مما هي دينية- عقائدية، لا تقتصر على مرحلة الثورة وما يمارس فيها من عنف أو يسودها من فتك وقتل طائفي، بل يتجاوزها إلى أفق على علاقة بطبيعة التشريعات التي سيسنها السلاح المنتصر. فكل تشريع لا يضمن حرية الاعتقاد وحرية ممارسة العقائد والعادات والطقوس، معاد بالضرورة للروح السورية الجامعة. ومن الصعب توقع تشريع يرعى الحقوق العامة والشخصية خارج إطار إسلامي منتصر محدد، مع وصول القوى الإسلامية إلى الحكم، حتى في صيغتها الأكثر براغماتية-الأخوان، المدعومة غربيا؛
6- كما ثمة سؤال هنا عن هوية السلاح ووظائفه وشرعيته، والبيئة التي يخلقها، المنتصر منه والمهزوم، وضرورة العدو لاستخدامه أو لتسويغ طلب المزيد منه، ولتسهيل القتل. من لا يذكر ذلك النداء الثلاثي لرئيس المجلس الوطني (نريد سلاحا..نريد سلاحا..نريد سلاحا)!؟ يكفي أن يصبح السوري عدوا حتى يسهل قتله، ويكفي للعقل الديني أن يصبح كافرا حتى يصبح قتله مقدسا. أسهل أشكال العداء وأبسطها صناعة وأسهلها ترويجا العدو الطائفي. فهنا يغدو السلاح ليس فقط مسوَّغاً بل واستخدامه مقدساً. وبصرف النظر عن الأهداف المعلنة أو المبيتة تأتي النتائج من طبيعة الطريق لا الشعارات. لا يمكن لطريق (نريد سلاحا)، طريق (إسقاط النظام بقوة السلاح، أي بقوة الحرب الأهلية) أن يقود إلى الديمقراطية والحرية، مهما زاود الأقلويون في انتمائهم إلى وهم الأكثرية ووهم المشروع الذي ترفعه نخبتها السياسية والثقافية العقائدية يمينا ويسارا؛
7- سؤال المخاطر والمخاوف ليس سؤال فناء أو بقاء، ففي حضرة الإبادة لا معنى للسياسة. إنما هو سؤال كيفية البقاء ونوعيته، البقاء الثقافي وليس فقط البيولوجي. فقد تتم إبادة ثقافية رغم البقاء بيولوجيا. العولمة والأسلمة هنا توأمان؛
8- ومن زاوية المخاطر على الحياة، فمسألة الأكثرية والأقلية بمرجعياتها العددية لا تبدو ذات قيمة إلا مع افتراض التجانس والقطيعية والقدرة على الإبادة. وبالتالي، فيمكن للقلة أن تؤذي الكثرة ربما بدرجة ليست أقل من الحالة المعاكسة، في حروب عبثية لا تنتهي، المنتصر الوحيد فيها الموت، والخاسر الأكيد فيها الوطن؛
9- ثمة من أهلنا السوريين من يرى أن سورية المتوسطية، وبخاصة سورية الساحلية، تواجه فتحاً إسلامياً جديداً يرمي إلى القضاء على ما لم يمت طوال قرون أسلمتها السابقة، أي على ما تبقى في سورية من عوامل تميّز واختلاف، وبالتالي إبداع، هي حصيلة تفاعل تاريخي أنتج خصوصية محلية لها تجلياتها الواضحة في العبادات والطقوس والعادات والتقاليد وأنماط العيش والثقافات، نشأت وتبلورت وازدهرت بعيدا عن مراكز إسلامية تشد إلى الوراء، وترى الحل في السماء. وبالتالي يرى غير قليل من السوريين في المكون الإسلامي العنفي في الثورة عودة لفتح إسلامي للمنطقة بصيغة جديدة، ويرون في الممارسات على الأرض من جبهة النصرة وتشكيلات إسلامية أخرى وسلوك أخواني متعدد الأشكال ما يعزز هذا التخوف، ويضعهم أمام سؤال جدي متعدد الأقانيم، عن البقاء، وليس فقط عن صيغ العيش، فمنهم من يستعد للهجرة ومنهم من يستعد للموت ولكن ليس دون قتال؛
10- وعلى تجربة البلدان التي سبقت سورية إلى إزاحة رؤوس الأنظمة، من الواضح أنّ اكتساب بعض الحريات السياسية يأتي على حساب خسارة كبيرة في الحريات العامة، وهذا الأمر يعني بدرجة كبيرة الأقليات، وأعود للقول الثقافية، بالمعنى الواسع لمفهوم الثقافة، قبل أن تكون دينية. ولا يخفى أن مسألة الحقوق السياسية مسألة نخبوية قياسا بالحريات العامة التي تعني جميع السويات الشعبية؛
11- وبعد، فطالما أن الكيان السوري كله مهدد، أرضاً وشعباً، فكل شيء وكل أحد على الأرض السورية في خطر. فإذن، من يكون هذا العدو المشترك الذي يقتل بعض السوريين ببعضهم الآخر ويضرب بعض الأرض ببعضها الآخر؟ ليس من الحكمة إرجاع الأمر إلى عامل خارجي كما ليس من الفطنة تجاهل هذا العامل في إعادة إنتاجه داخليا. هنا، النظام ومن يدعم ممارسته الفاشية وإبادته للعقل والجسد السوريين، وهنا معارضة تشبهت به وراحت تنازله بأدواته وتباريه في القتل والإلغاء والإرهاب، ومن يدعمها بالمال والإعلام والسلاح ويسهّل لها الوصول إلى ضحاياها. هنا إسلام عولمي مدعوم عالمياً، غربياً وعربياً، يمارس لعبته أو تُمارَس عبره سياسةُ تدميرِ المستقبلِ العربي، يستغل خروج الشعوب نحو حرياتها وحقوقها.. بل نحو انبعاث عقلها وتفجّر إبداعاتها. هنا طرفان: الشعب السوري كله بأقلياته وأكثريته طرف، والوحش المتعدد الرؤوس طرف، هنا الشعب الضحية وهنا النظام وأشباهه، والقوى المعادية للحرية في العالم؛
12- ومن هنا يأتي واجب الوقوف ضد السلاح واجباً وطنياً عاماً، وليس واجباً أقلوياً. وأما الشعب السوري فسيخرج من الجحيم الذي حُشر فيه وسوف يتبين أصدقاءَه من أعدائه الحقيقيين، داعمي حريته ومساندي موته وتخلفه وعبوديته، عرباً وغير عرب، من الأقربين والأبعدين؛
13- ومن هنا تأتي ضرورة أن يعلن كل سوري عما يختلف به عن الدوغمائية السائدة بصوت مرتفع، أي عن انتمائه لأقلية ثقافية..فكرية..عقلية..وطنية. الأحرار الحقيقيون ليسوا أقلية في سورية اليوم لو اتحدوا أو نسقوا جهودهم، وهم موجودون في جميع مكونات المجتمع السوري، أقلياته وأكثريته الدينية والقومية، وعليهم يقع الرهان الرابح في إنقاذ سورية وإخراجها من بين فكي كماشة الموت؛
14- وحتى لو كانوا أقلية، فلا خوف على أقلية تمجد الحياة وتعمل من أجلها، إلا من أعداء الحياة، وأعداء الحياة لا يميزون بين ضحاياهم، وهم نفسهم أقلية، تجدهم في الأكثرية والأقليات. وكل سلاح لا يميز بين الضحايا سلاح إرهاب. وكل من يستخدم السلاح لتحقيق أهداف سياسية أو مصالح اقتصادية إرهابي؛
15- أخيراً، على العالم المتحضر أن يقف مع السوريين ضد الموت لا مع الموت ضدهم ويكفّ عن تداول الأوراق التي تفرقهم ومنها ورقة الأقليات، وعليه أن يكف عن تشتيت المعارضة وتعطيل جهودها لتنسيق عمل مشترك نحو مخرج آمن من المحنة المصيرية الدامية. السوريون أذكى من قاتليهم ويعرفون جيدا من يريد موتهم وتخلفهم ومن يريد لهم الحياة.
المجد للحياة قيمة عظمى ولكل من يحب الحياة ويعمل لأجلها
عاشت سورية دولة حريات تعددية ديمقراطية مدنية معاصرة
عاش السوريون مواطنين أحرارا مرفوعي الرأس في وطن حر مستقل
ليسقط النظام الفاشي وليسقط معه أشباهه
الخزي والعار لكل من يتاجر بموت السوريين من سوريين وغيرهم
الخزي والعار لكل من يسفك الدم السوري لتحقيق مصالحه الجيوسياسية
وشكرا لكل من ساهم في تنظيم هذا اللقاء، مع اعتذاري عن ظروف حالت دون حضوري شخصيا.

syriaindca

Error: Twitter did not respond. Please wait a few minutes and refresh this page.

Twitter Updates

Error: Twitter did not respond. Please wait a few minutes and refresh this page.

%d bloggers like this: